مصطفى لبيب عبد الغني

96

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

من بعد - والذي أصبح على وجه اليقين هو المقدمة الصحيحة لتأسيس النظرة الكلية الموسوعية « 1 » . ولكن ، هل يمكن اعتبار الرازي بالفعل هو الواضع الحقيقي للطب الكلينيكى ؟ وهل تذكرنا جهوده المتصلة في جمع شتات المعلومات المتناثرة وفي تنظيم الخبرات المبعثرة بجهود أولئك العلماء من واضعي أصول العلوم الذين ترد في كتاباتهم كثرة من المعلومات والممارسات المبذولة لعلماء عصرهم أو لمن سبقهم من العلماء لكن أحدا من قبل لم يكن قد اضطلع بعد بعبء تنظيمها في وحدة ظاهرة ونسق محكم ؟ . ربما يتيسّر لنا الاقتراب من الإجابة على هذا التساؤل في ضوء التعرف على التراث الطبى السابق وبخاصة ما كان منه رافدا لثقافة الرازي . * * *

--> ( 1 ) في بيان الصلة العضوية بين الطب الاكلينيكى والطب العام ، أو بين « الأمور الجزئية » و « الكليات » نورد هنا قول الفارابي ، الدال : « إن الطبيب لما عالج إنما يعالج أبدان الأشخاص والآحاد ، مثل بدن زيد وبدن عمرو ، صار لا يجتزىء في علاج حمى زيد الصفراوية بما عرفه من أن الاضداد تقاوم بالأضداد ، ولا أن الحمى الصفراوية ينبغي أن تقاوم بماء الشعير ، دون أن يعلم في حمىّ زيد هذا علما أخص من تلك الأشياء التي عرفها من صناعته . . وإن كان ينبغي أن يسقى ماء الشعير فليس يجتزىء بأن يكون عرف ذلك معرفة مطلقة دون أن يعرف كم مقدار ما ينبغي أن يسقى منه في كثرته وكيف كان ينبغي أن يكون قوام ما يسقاه منه وفي أي وقت من أوقات النهار ينبغي أن يسقى وفي أي حال من أحوال زيد هذا المحموم ينبغي أن يسقى ، فيكون قد قدّر ذلك في كميته وكيفيته وفي زمانه ، وليس يمكنه أن يقدّر دون أن يشاهد العليل ليكون تقدير ذلك بحسب ما يشاهد من حال هذا العليل الذي هو زيد . وبينّ أن تقديره هذا ليس يمكن أن يكون استفاده من كتب الطب التي تعلّمها وارتاض بها ولا بقدرته على معرفة الكليات والأشياء العامة التي هي مثبتة في كتب الطب ، بل بقوة أخرى تحدث بمزاولة أعمال الطب في واحد واحد من أحاد الأبدان ويطول مشاهدته المرضى والتجربة التي تحصل له في طول الزمان عن معاناة العلاج وتولية ذلك في شخص شخص . فإذن الطبيب الكامل إنما تتم له مهنته حتى يتأتى بها الأفعال الكائنة عن تلك المهنة بقوتين اثنتين : إحداهما بالقدرة على معرفة الكليات التي هي أجزاء صناعته على الإطلاق وباستيفائها حتى لا يشذ عنه شئ ، ثم بالقوة التي تحدث له عن طول أفعال صناعته في شخص شخص » . ( الفارابي ، أبو النصر : « كتاب الملة » ص 57 - 58 بتحقيق محسن مهدى ، دار المشرق